سيف الدين الآمدي

162

أبكار الأفكار في أصول الدين

قولهم : إن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - كان للأمة كالوالد لولده ؛ مسلم ؛ ولكن في الحنو والإشفاق ، والسياسة ، أو في أنه يجب عليه مثل ما يجب على الوالد لولده ؟ الأول : مسلم والثاني : ممنوع ، ولهذا فإنه لا يجب عليه الإنفاق على الأمة كما كان يجب على الوالد لأولاده الصغار . وأما قوله - تعالى : - الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ « 1 » ليس فيه ما يدل على التنصيص . قولهم : إنما يكون الدين مكملا ، أن لو بيّن فيه كل ما يتعلق به مسلم ؛ ولكن بطريق التنصيص عليه ، أو بالتنبيه على طريق تحصيله ؟ الأول : ممنوع . والثاني : مسلم . ولهذا فإن كثيرا من الأحكام الشرعية لم ينص - عليه السلام - عليها كما بيّناه ، غير أنه بيّن طريق حصولها باجتهاد أهل الحل ، والعقد ، وفوّض النظر في / تحقيقها إليهم ، وعلى هذا فيجب اعتقاد تنبيهه على طريق إثبات الإمامة ، وإن لم ينص على واحد معين . ويدل عليه إجماع الصحابة على الاختيار كما يأتي تقريره ، فإن ذلك يدل على علمهم ، بما يدل على جواز الاختيار من جهة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإلّا كان إجماع الأمة خطأ ؛ وهو ممتنع ، ويشبه أن يكون ما دلهم على ذلك قوله - عليه السلام - « إن تولوها أبا بكر تجدوه ضعيفا في بدنه قويا في أمر اللّه ، وإن تولوها عمر تجدوه قويا في دين اللّه ، قويا في بدنه ، وإن تولوها عليا تجدوه هاديا ، مهديا » « 2 » ؛ فإنه يدل على صحة الاختيار . قولهم : إنه - عليه السلام - ما كان يخرج من المدينة الا ويستخلف فيها على الرعية خليفة . قلنا : ليس في المواظبة على ذلك ما يدل على وجوب الاستخلاف ؛ بل لعله كان من المندوبات ، وبتقدير الوجوب ؛ فلا يلزم من وجوب الاستخلاف والنظر في أحوال الأمة حال حياته ، وجوب ذلك لما بعد مماته ؛ لجواز تكليفه بأحد الأمرين دون الآخر « 3 » .

--> ( 1 ) سورة المائدة 5 / 3 . ( 2 ) في مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 / 109 « إن تؤمروا أبا بكر - رضي اللّه عنه - تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة . وإن تؤمروا عمرا - رضي اللّه عنه - تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم . وإن تؤمروا عليا - رضي اللّه عنه - ولا أراكم فاعلين تجدوه مهديا يأخذ بكم على الطريق المستقيم » . ثم قارن ما ورد بألفاظ متقاربة في أنساب الأشراف 2 / 102 ، والمستدرك 3 / 70 وقد ضعفه الذهبي في التخليص ، والصواعق المحرقة 70 . ( 3 ) قارن بما ورد في المواقف ص 404 وشرحها : الموقف السادس ص 304 .